الشيخ محسن الأراكي

18

كتاب الخمس

لله خمس ما غنمتم ، وأنهاكم عن الدُّباء ، والنقير ، والحنتم ، والمُزفَّت " « 1 » . وفي لفظ آخر رواه البخاريّ أيضاً : " وأن تعطوا من المغانم الخمس " « 2 » ، والرواية متواترة إجمالًا . وفي الرواية عدّة قرائن وخصوصيّات تدلّ على أنّ الغنيمة - أو المغنم - في الرواية غير خاصّ بغنيمة الحرب ، وأنّه يشمل الفائدة مطلقاً . فمن ذلك : أنّ الظاهر من الرواية أنّ بني عبد القيس سألوا رسول الله ( ص ) عن الأُمور التي يعمّ بها البلوى ، والفرائض التي كان عليهم أن يقوموا بها في عامّة أيامهم ، لا الأُمور التي لا تحدث إلّا في فترات متباعدة يمكنهم أن يستفتوا عنها رسول الله ( ص ) خلال الأشهر الحرم ، بالقدوم على رسول الله ( ص ) والسؤال عنه ، فأجابهم رسول الله ( ص ) عن سؤالهم ببيان ما يجب عليهم من الفرائض الواجبة خلال أيام السّنة كلّها ، فذكر منها الخمس ، ولا ريب في أنّ الخمس الذي يحمل هذا الوصف - أي وصف كونه مّما يُبتلى به في عامّة أيام السّنة - ليس إلّا خمس أرباح المكسب ، والفوائد الأُخرى التي يحصل عليها الناس عادةً خلال أيّام السنة ، لا مثل خمس غنيمة الحرب التي لم يكن ليبتلي بها الناس إلّا في حالات وأزمنة معيّنة . ومن ذلك : أنّ غنائم الحرب كان يؤتى بها جميعاً إلى رسول الله ( ص ) ، ثمّ هو الذي كان يقسّمها فيأخذ منها الخمس لأهله ، ثمّ يفرق أربعة أخماسها بين المقاتلين وفقاً لمقاييس التقسيم التي كان يراها ( ص ) ، فلا معنى لأنّ يكلّفهم رسول الله بأن يؤدّوا الخمس من المغنم إن كان المقصود بالمغنم خصوص غنيمة الحرب . فلابدّ أن يكون المقصود من المغنم معناه اللّغويّ العامّ وهو مطلق الفائدة . ومنها : أنّ هذه الرواية لا إشارة فيها إلى حرب أو غزو على الكفّار ، بل قرائن الحال تشير إلى أنّ القبيلة التي وجّه إليها هذا البيان لم تكن تتمتّع بالقوّة والمنعة التي تمكّنها من ذلك ، ولذلك فقد كانت تنتظر الأشهر الحرم لكي تخرج من

--> ( 1 ) . البخاري 77 : 30 ، كتاب المغازي باب : وفد بني تميم . ( 2 ) . البخاري 77 : 30 ، كتاب المغازي باب : وفد بني تميم .